صادق عبد الرضا علي
292
القرآن والطب الحديث
الديانة الفرعونية ، والتي قامت في ظلها حضارة الفراعنة . وقد تنقلت هذه الفكرة في الانسانية ، وصحبت أطوار طفولتها ، وصباها ، وشبابها ، وكهولتها ، وتخلق من كل أولئك صورا وأشكالا للخلود ، بعضها ساذج يثير الضحك المشوب بالعطف والألم معا ، على أولئك الذين قدموا أنفسهم قربانا وثمنا للخلود ، وبعضها ذكي عبقري يكشف عن عظمة الانسان ، واستحقاقه للخلود . ثم جاء دور الديانات السماوية ، فالتقت مع ذكاء الانسان وعبقريته ، وكشفت له عن حقيقة هذا الخلود الذي وقع في تفكيره ، واستقر في ضميره ، ولكنه لا يجد له الدليل الذي يقيمه مقام اليقين في كيانه ، فجاءته كلمات السماء بالبيان المبين عن الحياة الآخرة ، وما فيها من حساب ، وثواب ، وعقاب ، وجنة ونار . فالديانات السماوية كلها تحمل إلى الناس عقيدة البعث والحساب والجزاء ، وتجعل الايمان بهذه العقيدة مقرونا بالايمان باللّه ، ومكملا لهذا الايمان . واتباع الديانات السماوية الثلاث اليوم ، الموسوية ، والعيسوية ، والاسلامية ، يؤمنون بالحياة الآخرة ، وبالحساب ، والجنة والنار ، ولكن مع اختلاف في المفاهيم والتصورات . . هذه الشكوك والوساوس الشيطانية تطرح نفسها على الانسان - غالبا - بصيغة سؤال ملغوم ، وهو : كيف يمكن أن يبعث ويعاد ذلك الانسان الذي أكله الدود وبليت عظامه ، وأصبح ذرات صغيرة متناثرة ، إلى وضعه الأول قبل الموت ؟ وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ « 1 » . سؤال ساذج وتفكير محدود شغل ذلك الانسان المسكين ، فلم يعد يتصور أو يفكر في بداية خلقته عندما كان نطفة لا ترى بالعين المجردة ، وكيف تطورت بأمر اللّه ؟ فأصبحت تدريجيا إنسانا كاملا في الصفات والخلقة ، يمتلك من الأجهزة المعقدة
--> ( 1 ) سورة يس : الآية 78 - 79 .